📁 آخر الأخبار

الفرق بين بيعة العقبة الأولى والثانية: تحليل شامل لأهم مراحل تأسيس الدولة الإسلامية

 بيعة العقبة… حين تحوّل الإيمان من كلمات تُقال إلى دولة تُبنى

في تاريخ الدعوة الإسلامية لحظات صنعت التحوّل الحقيقي، ولولاها لما قامت حضارة ولا وُلد مجتمع جديد. ومن بين هذه اللحظات، تبرز بيعة العقبة الأولى والثانية كعلامتين فاصلتين، لا يفصل بينهما الزمن بقدر ما يفصل بينهما مستوى الوعي والإرادة والالتزام. فهما ليستا مجرد عهدين في ليلة من ليالي موسم الحج، بل كانتا البوابة التي خرج منها الإسلام من دائرة الاضطهاد في مكة إلى فضاء الدولة في يثرب.

كانت بيعة العقبة الأولى خطوة صغيرة لكنها لامست قلب التاريخ. اثنا عشر رجلًا فقط، جاؤوا من مدينة أنهكتها الحروب القبلية، يبحثون عن ما يجمع ولا يفرق، عن كلمة عدل تنهي صراع الأوس والخزرج. لم تكن بيعتهم سياسية ولا عسكرية، بل كانت ميثاقًا للإيمان والأخلاق: لا شرك، لا ظلم، لا فساد… مجرد عهد صادق مع الله والنبي ﷺ.

لكن بعد عام واحد فقط، تغيّر كل شيء. فالإيمان الذي دخل بيوت الأنصار في سرّ، أصبح موجة قوية تغمر المدينة كلها. وها هي بيعة العقبة الثانية تُعقد، ليس بين 12 رجلًا… بل بين 75 من نخبة الأوس والخزرج، رجالًا وامرأتين، جاءوا يعلنون استعدادهم لحماية الرسول ﷺ بدمائهم، ويبرمون معه أول عقد سياسي وعسكري في الإسلام. كانت لحظة انتقال ضخمة: من “ندعو للحق” إلى “نحمي الحق”، ومن “نتعلم القرآن” إلى “نبني الدولة”.

بهاتين البيعتين وُلدت المدينة كعاصمة جديدة، وبدأت رحلة الهجرة، وانطلق مشروع النهضة الإسلامية الأولى. وهنا، يصبح السؤال مهمًا:
ما الفرق بين البيعتين؟ وكيف تغيّر الإسلام بينهما خلال عام واحد فقط؟

هذا ما سنكشفه تفصيلًا… خطوة بخطوة، وفارقًا بفارق.

صورة سينمائية تجسّد اجتماع الأنصار لبيعة العقبة ليلًا تحت ضوء القمر، دون ظهور أي ملامح، مع شخصية رمزية مضاءة ترمز للقيادة.

مشهد رمزي للأنصار في العقبة وهم يمدّون أيديهم للبيعة في ليلة تاريخية غيّرت مسار الدعوة الإسلامية.


أولًا: الخلفية الزمنية بين البيعتين الأولى والثانية

وقعت بيعة العقبة الأولى في السنة 12 من البعثة، حين جاء وفد صغير من أهل يثرب والتقى بالنبي ﷺ سرًا عند أواخر موسم الحج، وكانت هذه المرحلة مرحلة بحث عن الحلّ، إذ كان المسلمون في مكة يعانون من الاضطهاد والقهر.

أما بيعة العقبة الثانية فقد جاءت في السنة 13 من البعثة، أي بعد عام واحد فقط من البيعة الأولى، ولكن الفارق بينهما كان كبيرًا من حيث العدد، والصيغة، والمضمون، وطبيعة الالتزام، والمرحلة السياسية. كانت الثانية إعلانًا حقيقيًا لبداية قيام الدولة الإسلامية في يثرب، لأنها نقلت المسلمين من طور الاستضعاف إلى طور الحماية والنصرة.


ثانيًا: الفرق في عدد الحاضرين بين بيعة العقبة الأولى والثانية

من أهم الفوارق:

بيعة العقبة الأولى

  • العدد قليل جدًا.
  • كان عدد الحاضرين 12 رجلًا فقط من الخزرج دون الأوس.
  • لم يكن للبيعة صفة رسمية أو سياسية واسعة.
  • لم تمثل كل يثرب، بل مجرد أفراد اختبروا صدق الدعوة.

بيعة العقبة الثانية

  • العدد كبير ومنظم.
  • حضر حوالي 75 شخصًا

    73 رجلًا وامرأتان
  • ضمّت رجالًا من الأوس والخزرج معًا.
  • كانت وفدًا يمثل المدينة كلها، مما أعطاها شرعية مجتمعية وسياسية قوية.
  • وصلت لدرجة أن المؤرخين يسمونها: “عقد تأسيس الدولة الإسلامية”.

الفرق العددي كان مؤشرًا على مدى انتشار الإسلام في يثرب خلال عام واحد فقط.


ثالثًا: الفرق في طبيعة الالتزام بين بيعة العقبة الأولى والثانية

1) بيعة العقبة الأولى – التزام الدعوة

كانت بيعة العقبة الأولى أقرب ما تكون إلى:
عهد شخصي على تقوى الله، ونشر الإسلام، وعدم الشرك.
وتضمنت الالتزامات التالية:

  1. عدم الشرك بالله
  2. عدم السرقة
  3. عدم الزنا
  4. عدم قتل الأولاد
  5. عدم الكذب أو الافتراء
  6. عدم العصيان في المعروف

كانت البيعة الأولى بيعة دعوية وأخلاقية، دون أي التزام بالحماية العسكرية. لم يُطلب منهم حمل سيف ولا حماية النبي ﷺ.

2) بيعة العقبة الثانية – التزام النصرة والحماية والدولة

هنا حدث التحول الأكبر…

هذه البيعة كانت عسكرية وسياسية، وتضمنت:

  1. حماية النبي ﷺ كما يحمون أهلهم.
  2. الدفاع عنه بالسلاح عند الحاجة.
  3. منع قريش من الوصول إليه.
  4. الاستعداد للحرب إن فرضت عليهم.
  5. تكوين نواة لجيش الدولة الإسلامية.
  6. التزام شامل بطاعة القيادة (في المنشط والمكرَه).

الفرق الجوهري:
الأولى دعوية، والثانية سياسية عسكرية.


رابعًا: الفرق في صيغة بيعة العقبة الأولى والثانية

كانت صيغة بيعة العقبة الأولى صيغة تربوية أخلاقية، تبدأ بالنهي عن الشرك وتنتهي بالأمان من العذاب.
بينما كانت بيعة العقبة الثانية صيغة ذات طابع دستوري، تُعتبر عقدًا سياسيًا مكتمل الأركان، ومن أشهر ما قاله الأنصار فيها:

“فإن نحن وفّينا بذلك، فما لنا؟”
فقال ﷺ: “لكم الجنة”.

ثم قالوا له:
“إنا براء من الأصفر والأحمر”
أي سنتخلى عن ولاءاتنا القديمة لصالح الدولة الجديدة.

كانت الثانية أكثر وضوحًا، أكثر صلابة، أكثر التزامًا.


خامسًا: الفرق في الدوافع بين البيعتين بيعة العقبة الأولى والثانية

بيعة العقبة الأولى

الدافع الأساسي فيها كان:

  • رغبة بعض شباب يثرب في إيجاد دين يوحّد الأوس والخزرج.
  • رغبتهم في إنهاء الصراعات القبلية المستمرة.
  • بحثًا عن رسالة تجمعهم وتُنهي الحرب الأهلية الطاحنة بينهم.

كانت بيعة الباحثين عن الإصلاح.

بيعة العقبة الثانية

أما الثانية فجاءت بعد انتشار الإسلام في بيوت الأنصار، وتحول عدد كبير منهم إلى الإيمان، وبذلك أصبحوا جاهزين لاستقبال النبي ﷺ كقائد سياسي.
كان دافعهم:

  1. بناء مجتمع جديد.
  2. إقامة دولة عادلة.
  3. توفير حماية فعلية للنبي ﷺ.
  4. التحرر من السيطرة القرشية على طرق التجارة.

هنا انتقلت البيعة من حركة إصلاح اجتماعي إلى مرحلة تأسيس دولة.


سادسًا: الفرق في التوقيت السياسي وموقع البيعتين في مسار الهجرة

بيعة العقبة الأولى

كانت بداية الطريق… الخطوة الأولى التي مهدت للهجرة، لكنها لم تكن كافية لإتمامها.

بيعة العقبة الثانية

كانت اللحظة التي فتحت الباب للهجرة بالكامل، وبعدها مباشرة بدأ المسلمون يهاجرون من مكة إلى المدينة بشكل منظّم، ثم تبعهم النبي ﷺ.
ويقول معظم المؤرخين:

لولا بيعة العقبة الثانية… لما قامت دولة الإسلام.

فالفرق بين البيعتين هنا فرق بين بذرة وثمار.


سابعًا: الفرق في السرية والعلنية بين بيعة العقبة الأولى والثانية

بيعة العقبة الأولى

  • كانت سرية جدًا.
  • لم تكن قريش على علم بها.
  • جرت في مكان مخفي ومع وفد صغير.
  • لم يكن لها أي أثر سياسي مباشر.

بيعة العقبة الثانية

  • كانت كذلك سرية في التنفيذ، لكن آثارها كانت ضخمة.
  • استطاعت قريش اكتشافها في اللحظات الأخيرة، ولهذا حاولت منعها.
  • أدركت قريش أن الأنصار تعهدوا بحماية النبي ﷺ، وهذا كان أخطر قرار يُتخذ منذ بدء الدعوة.

فكانت الثانية صدمة سياسية لقريش.


ثامنًا: الفرق من حيث تمثيل يثرب

بيعة العقبة الأولى

  1. ممثلون عن الخزرج فقط.
  2. لم تُعرض على كل قبائل يثرب.
  3. مثلت طبقة محدودة من الشباب الباحثين عن الحق.

بيعة العقبة الثانية

  1. شارك رجال الأوس والخزرج معًا، وهذا له معنى مهم: لأول مرة يتّحد الأوس والخزرج على قائد واحد: محمد ﷺ.
  2. أصبحت البيعة قرارًا جماعيًا يمثل المدينة كلها.
  3. منح الأنصار النبي ﷺ سلطة سياسية كاملة داخل مجتمعهم.

هذا الفارق وحده كافٍ ليجعل الثانية أساسًا للهجرة.


تاسعًا: الفرق في النتائج المباشرة للبيعتين بيعة العقبة الأولى والثانية

نتائج بيعة العقبة الأولى

  • دخول الإسلام إلى بيوت الأنصار.
  • بداية تكوين نواة دعوية في يثرب.
  • انتشار واسع بين أهل المدينة في أقل من عام.
  • إرسال مصعب بن عمير إلى يثرب لتعليم الناس القرآن.

كانت نتائجها روحية واجتماعية.

نتائج بيعة العقبة الثانية

  • فتح باب الهجرة للمسلمين.
  • تأسيس مجتمع المدينة.
  • تكوين الجيش الإسلامي الأول.
  • عزل قريش سياسيًا.
  • بداية بناء الدولة الإسلامية بكل مؤسساتها.

كانت نتائجها سياسية وعسكرية واقتصادية.


عاشرًا: الفرق من حيث دور الشخصيات الأساسية

في بيعة العقبة الأولى

شخصيات بارزة مثل:

  1. أسعد بن زرارة
  2. رافع بن مالك
  3. عوف بن الحارث
كان دورهم دعويًا فقط.

في بيعة العقبة الثانية

برزت شخصيات قيادية مثل:

  1. سعد بن معاذ
  2. سعد بن عبادة
  3. البراء بن معرور
  4. أسيد بن حضير
  5. عبدالله بن رواحة
  6. مصعب بن عمير
هؤلاء أصبحوا وزراء التنظيم العسكري والسياسي للدولة.

الخلاصة عن بيعة العقبة الأولى والثانية

الفارق بين البيعتين يشبه الفارق بين:
وعد و دستور
بين جماعة صغيرة و أمة كاملة
بين الإيمان الفردي و الالتزام الجماعي بالسلاح والسياسة
بين بحث عن الحق و تأسيس دولة.

بيعة العقبة الأولى كانت شرارة…
أما بيعة العقبة الثانية فكانت النار التي أضاءت طريق الهجرة وبناء الدولة الإسلامية.


الأسئلة الشائعة (FAQ) حول بيعة العقبة الأولى والثانية

1) ما هي بيعة العقبة الأولى؟

هي أول لقاء رسمي بين النبي ﷺ ووفد من يثرب، ضمّ 12 رجلًا من الخزرج، وتمت فيها بيعة أخلاقية دعوية دون التزام بالحماية العسكرية. كانت بداية دخول الإسلام إلى المدينة.

2) ما هي بيعة العقبة الثانية؟

هي البيعة الكبرى التي حضرها 75 من الأوس والخزرج، وتعهدوا فيها بحماية النبي ﷺ والدفاع عنه كما يحمون أهليهم، وكانت الأساس السياسي للهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية.

3) ما الفرق الجوهري بين البيعتين بيعة العقبة الأولى والثانية؟

الفرق الأكبر هو أن الأولى بيعة إيمان وأخلاق، بينما الثانية بيعة حماية ونصرة وتأسيس دولة.
الأولى دعوية… والثانية سياسية عسكرية.

4) لماذا زاد عدد الحضور فى بيعه العقبة من 12 إلى 75؟

لأن الإسلام انتشر سريعًا في يثرب خلال عام واحد بفضل مصعب بن عمير، فأصبح للأنصار قاعدة شعبية واسعة، وأصبحوا مستعدين لتحمّل مسؤولية الدولة.

5) هل كان في بيعة العقبة الثانية نساء؟

نعم، حضر امرأتان هما: نسيبة بنت كعب (أم عُمارة)، وأسماء بنت عمرو.
وهذا يعكس المشاركة الواسعة لأهل المدينة في تأسيس الدولة.

6) ما علاقة البيعتين بيعة العقبة الأولى والثانية بالهجرة إلى المدينة؟

بيعة العقبة الأولى مهّدت الطريق للدعوة في يثرب،
أما بيعة العقبة الثانية فقد كانت الضوء الأخضر للهجرة؛ فبعدها بدأ المسلمون يهاجرون سرًا، ثم خرج النبي ﷺ بعدها بفترة قصيرة.

7) لماذا كانت بيعة العقبة الثانية خطيرة على قريش؟

لأنها نقلت النبي ﷺ من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة وجود حماية قبلية وعسكرية كاملة، وهذا يعني فشل حصار قريش للدعوة، وظهور قوة منافِسة لها في المدينة.

8) من أهم الشخصيات التي برزت في البيعة الثانية؟

من بينهم:

  1. سعد بن معاذ
  2. سعد بن عبادة
  3. أسيد بن حضير
  4. البراء بن معرور
  5. عبدالله بن رواحة
وكلهم أصبحوا قادة مؤثرين في الدولة الناشئة.

🟪 خاتمة: من العقبة إلى المدينة… اللحظة التي غيّرت مجرى التاريخ

كانت بيعة العقبة الأولى والثانية أكثر من مجرد لقاءات سرّية في ظلام الليل؛ كانتا نقطة التحوّل التي عبر بها الإسلام من مرحلة الاضطهاد إلى مرحلة الدولة، ومن صوت فردي في مكة إلى قوة مجتمعية في يثرب. ففي الأولى غرس الأنصار بذرة الإيمان، وفي الثانية حملوا مسؤولية حماية الرسالة، وتعهدوا بأن يكونوا سندًا ودرعًا لمن جاءهم بالحق. ومع هذا الانتقال، وُلدت المدينة كعاصمة جديدة، وبدأت مسيرة بناء الأمة على أسس العقيدة والولاء والطاعة والعدل.

لقد اختلفت البيعتان في العدد والالتزام والدوافع، لكنهما توحدتا في الغاية: إقامة مجتمع يحمي الإيمان ويصون الرسالة. وما بين 12 رجلًا وضعوا الخطوة الأولى، و75 شخصًا أخذوا قرار النصرة، ولدت نهضة لم يعرف التاريخ مثلها.

وهنا يبقى السؤال لك أنت أيها القارئ الكريم…

أسئلة للقارئ

1️⃣ أي البيعتين ترى أنها كانت الأكثر تأثيرًا في تأسيس دولة المدينة؟ ولماذا؟
2️⃣ هل تعتقد أن انتقال الإيمان من المستوى الفردي إلى مستوى الدولة كان ممكنًا دون بيعة العقبة الثانية؟
3️⃣ ما أبرز درس استخلصته من الفرق بين البيعتين؟

📣 دعوة لمشاركة المقال

إذا وجدت هذا المقال مفيدًا ويستحق القراءة، فلا تبخل بمشاركته عبر مواقع التواصل أو مع أصدقائك المهتمين بالسيرة النبوية.
نشر المعرفة يسهم في إبقاء تاريخنا حيًا، ويساعد منصة عصور ذهبية على الاستمرار في تقديم محتوى قوي ومؤثر ❤️✨


📚 المصادر التاريخية لبيعة العقبة الأولى والثانية

المصدرالمؤلفالجزءملاحظات
السيرة النبويةابن هشامج 2يروي تفاصيل البيعتين، وعدد الحاضرين، وصيغة العهد.
الطبقات الكبرىابن سعدج 1–2يوضح انتقال الدعوة من مكة إلى يثرب ودور الأنصار.
البداية والنهايةابن كثيرج 3تحليل شامل لمرحلة العقبة ودورها في تأسيس الدولة.
الروض الأنفالسهيليج 2–3يعرض التعليقات التاريخية والفروق الجوهرية بين البيعتين.
المغازيالواقدييعطي روايات تفصيلية عن لقاء العقبة وظروفه السرية.
دلائل النبوةالبيهقييذكر الدوافع الإيمانية والسياسية للبيعتين.

📝 ملاحظة تاريخية:

تُعد بيعة العقبة الثانية أخطر وأهم اتفاقية في تاريخ الدعوة قبل الهجرة؛ فهي الخطوة العملية التي نقلت الإسلام من مرحلة الدعوة الفردية إلى مرحلة الدولة، وجعلت يثرب تتحول رسميًا إلى موطن النصرة والانطلاق.



عصور ذهبية
عصور ذهبية
تعليقات